محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

268

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

فإن قيل : كيف عرفوا أن ما أخبره آدم هو صدق ؟ قيل : بإخبار اللّه تعالى إيّاهم وتعريفه لهم وتصديقه إيّاه ، وهذه المعجزة لآدم على خلافته لم تكن على دعواه الخلافة ، بل على أنّ اللّه تعالى قال : إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً وتعجّبهم من ذلك ؛ فهو إبانة فضله عليهم واختصاصه بعلم لم يعلموه ، وفضل لم يبلغوا إليه . الأسرار قال الذين أوتوا العلم والإيمان : إنّ اللّه تعالى أبان لنا بقصّة آدم والملائكة وإبليس أنّ الروحانيّين وإن كانوا على طهارة القدس فلم تخل أوضاعهم وجواهرهم من التضادّ والترتّب كما في الجسمانيات ، إذ كان يظنّ أنّ التضادّ والترتّب يختصّان بالمركّبات من الطبائع المتنافرات والمزدوجات ؛ فأظهر الترتّب في الملائكة - عليهم السلام - وكان نزاعهم على سبيل الترتّب ؛ وذلك نزاع لا لغو فيه ولا تأثيم ، ولا تكفير فيه ولا تضليل ، كالنزاع بين المعلّم والمتعلّم ، والشيخ والمريد ، والفاضل والمفضول ؛ وأظهر التضادّ فيهم ، إذ أخرج من بينهم منافقا مثل إبليس الحارث بن مرّة كان فيهم على لباس الملائكة وبلغ من العلم بأطوريه حتّى صار معلّمهم ، ومن العبادة بأصغريه حتّى كان أزهد منهم وأورع ، ثمّ حملهم اللّه جميعا على السجود حمل امتحان ، وكلّفهم تكليف ابتلاء واستخلاص ، وظهر جوهر كلّ روحاني ما كان فيه من الطاعة والسمع وما جبل عليه من الإنكار والمنع . فمن أطاع فقد سنّ سنّة حسنة وله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ، ومن فسق عن أمر ربّه فقد سنّ سنّة سيّئة وله وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة . فقد ثبت بهذه القصّة حكم الترتّب واحتمال الخطأ فيه وحكم التضادّ وأن لا يحتمل الخطأ فيه ؛ وبقيت القاعدتان في الخليفة أبدا سرمدا إلى يوم القيامة ؛ وظهر أيضا في هذه القصّة أنّ الروحانيات على ترتّب ، وأنّ العقول ليست متساوية ؛ فإنّ منهم من لم يعترض ذلك الاعتراض ، بل سلّم تسليم الطائعين وهم العالون العلّيون ؛ وظهر أيضا فيها أنّ الروحانيات على تضادّ ( 116 آ ) ، وأنّ العقول ليست بأسرها علّامة فعّالة للخير ، بل فيها من هو كاللعين الأوّل جهّالة بالطبع فعّالة للشرّ ؛ فيسير في العالم سير الروحانيين . فبعد المكان وقربه عنده سواء ؛ وقيل : [ قرب ] الزمان